الشيخ الطبرسي
353
تفسير مجمع البيان
داود أنا اختبرناه وابتليناه . وقيل : إنا شددنا عليه في التعبد ، عن علي بن عيسى . وقيل : أراد الظن المعروف الذي هو خلاف اليقين . ( فاستغفر ربه ) أي : سأل الله سبحانه المغفرة ، والستر عليه ( وخر راكعا ) أي . صلى لله تعالى ( وأناب ) إليه . وقيل : سقط ساجدا لله تعالى ، ورجع إليه . وقد يعبر عن السجود بالركوع ، قال الشاعر : فخر على وجهه راكعا ، * وتاب إلى الله من كل ذنب قال الحسن : إنما قال : وخر راكعا ، لأنه لا يصير ساجدا حتى يركع . وقال مجاهد : مكث أربعين يوما ساجدا ، لا يرفع رأسه إلا لصلاة مكتوبة يقيمها ، أو لحاجة لا بد منها . ( فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى ) أي : قربى وكرامة ( وحسن مآب ) في الجنة . واختلف في استغفار داود عليه السلام من أي شئ كان ، فقيل : إنه حصل منه على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى ، والخضوع له ، والتذلل بالعبادة والسجود ، كما حكى سبحانه عن إبراهيم عليه السلام بقوله : ( والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ) . وأما قوله : ( فغفرنا له ذلك ) فالمعنى . إنا قبلناه منه ، وأثبناه عليه . فأخرجه على لفظ الجزاء مثل قوله . ( يخادعون الله وهو خادعهم ) ، وقوله : ( الله يستهزئ بهم ) . فلما كان المقصود من الاستغفار والتوبة القبول ، قيل في جوابه : غفرنا . وهذا قول من ينزه الأنبياء عن جميع الذنوب من الإمامية وغيرهم ومن جوز على الأنبياء الصغائر قال : إن استغفاره كان لذنب صغير وقع منه . ثم إنهم اختلفوا في ذلك على وجوه أحدها : إن أوريا بن حيان ، خطب امرأة ، وكان أهلها أرادوا أن يزوجوها منه ، فبلغ داود جمالها ، فخطبها أيضا فزوجوها منه ، فقدموه على أوريا ، فعوتب داود على الحرص على الدنيا ، عن الجبائي وثانيها : إنه أخرج أوريا إلى بعض ثغوره ، فقتل فلم يجزع عليه جزعه على أمثاله من جنده ، إذ مالت نفسه إلى نكاح امرأته ، فعوتب على ذلك بنزول الملكين . وثالثها . إنه كان في شريعته أن الرجل إذا مات وخلف امرأة ، فأولياؤه أحق بها إلا أن يرغبوا عن التزويج بها ، فحينئذ يجوز لغيرهم أن يتزوج بها . فلما قتل أوريا خطب داود عليه السلام امرأته ، ومنعت هيبة داود وجلالته أولياءه أن يخطبوها ، فعوتب على ذلك ورابعها : إن داود كان متشاغلا بالعبادة ، فأتاه رجل وامرأة متحاكمين إليه ، فنظر إلى المرأة ليعرفها بعينها ، وذلك نظر مباح ، فمالت نفسه إليها ميل الطباع ففصل بينهما ، وعاد إلى